Good
عادي
كنيسة السّيدة:
وقد عُرفت قديماً بكنيسة سيّدة الحارة نسبة إلى وقوعها في حارة الحصارنة[2] وتعرف هذه الحارة اليوم بحارة السيدة، وهي حيّ من أحياء التبانة.
وقد ذكر الكونت فيليب دي طرازي أنّها تعود إلى القرن السادس عشر[3]. بينما يرجح سيادة المطران جبير، مطران الموارنة في طرابلس، أنها تعود إلى الأجيال النصرانية الأولى، أي حوالي سنة 200م تقريباً. كما ذكر أنّ اليعاقبة طالبوا بها، فاتّصل الموارنة، بوالي الشام أو بالباب العالي، وثبّتوا حقهم فيها[4].
وقد كان لهذه الكنيسة أوقاف كثيرة ضبطها أنطوان زكار عام 1812م على الشكل الآتي: "ثلاثة أقبية يعلوها طبقات، قبو دار إبن راحيم طبقة من دار جرجس رزق، جنينة توت بجانب الكنيسة، قلالي فوق الكنيسة معدّة لسكن الرهبان والخادم[5]، وقبو بجانب الكنيسة تعلوه غرفتان، وإثنتان وسبعون شجرة زيتون[6].
وتفيد المصادر التاريخية عن حصول خلاف بين الموارنة والسريان الكاثوليك حول ملكية كنيسة سيدة الحارة وأوقافها في مطلع القرن التاسع عشر، كان بنتيجته أن استولى الموارنة على الأراضي الزراعية التابعة لأوقاف الكنيسة لمدة ثلاث سنوات، فلجأ بطريرك السريان الكاثوليك إلى الأمير بشير الشهابي للتوسّط له لدى بطريرك الموارنة كي يمنع هذا الأخير أبناء مذهبه من التعدّي على أوقاف الكنيسة، فوجّه الأمير بشير إلى بطريرك الموارنة الرسالة الأتية:
"حضرة عزيزنا البطرك حنا المكرّم، سلّمه الله تعالى:
أولاً مزيد الأشواق إلى رؤياكم في كل خير وعافية، وبعده نخبر محبتكم، أعرض لنا عزيزنا المطران أنطوان السرياني بأنّ للكنيسة بأرض طرابلس. زيتونات. وعزيزنا سالفكم البطرك يوسف[7] مصرّفهم وعاطيهم أوراق تصريف في الكنيسة والوقف. ووكيلهم ما ترك الكنيسة إلاّ من وقت الحصار[8] والآن متعللين محبّتكم عليهم أن أصحاب الوقف صاروا موارنة. والحال الوقف للكنيسة ومادة جزئية لم تذكر. مرادنا من محبتكم تُعَرّفوا الذي الزيتونات بيده يصرّفهم فيهم ويعطيهم غلالهم عن الثلاث سنين الماضية"
بشير شهاب"[9]
يُفهم من هذه الرسالة أنّ كنيسة سيدة الحارة وأوقافها، كانت للسريان الكاثوليك. وعندما فرّ وكيل أوقافها من طرابلس بعد أن اشتد عليها الحصار، قام الموارنة بالاستيلاء على أوقافها. كما يُفهم من الوثيقة أنّ حجة الموارنة في ذلك، اعتمدت على أنّ الأشخاص الذين أوقفوا بعض الأراضي على كنيسة السيدة، كانوا سرياناً "كاثوليك" ثم تحولوا إلى مذهب الموارنة فأصبحوا نادمين على ما فعلوه وأرادوا استرداد ما أوقفوه لكنيسة السريان وإلحاقه بكنيسة الموارنة. كما نلاحظ بداية تحوّل السريان الكاثوليك في طرابلس إلى المذهب الماروني[10].
إلا أنّ البطريرك الماروني يوسف تيان (1796- 1809) رفض ذلك لما فيه من تعدّ على السريان الكاثوليك، وحرّر بذلك إعلاماً في العام 1812م هذا نصه:
إعلام بالرب لكل واقف على أسطرنا هذه إنّه من خصوص الزيتون الذي يخصّ وقف سيدة الحارة التي للسريان ناحية طرابلس، وقع سابقاً عليه تعدٍ من أبناء طائفتنا وراموا يُتبعوه لوقف كنيستنا، وارتفع الأمر لدينا، ونحن بعد وقوفنا على صحّة وقف الزيتون المذكور لسيدة الحارة المرقومة، رفعنا يد أبناء طائفتنا عنه وصرّفنا به إخواتنا السريان الكاثوليكيين، كما يفضي العدل. وكما أننا بقوّة إعلامنا هذا نوضح في أنّ هذا الزيتون يخصّ السريان لا الموارنة، ولأجل خلاص الذمّة حرّرنا هذا الإعلام بيد من يخصه تحريراً في 1 شباط 1812:
الإمضاء: الحقير البطريرك يوسف تيان"[11]
وفي هذا الإعلان تأكيد واضح على أنّ كنيسة سيدة الحارة كانت لطائفة السريان الكاثوليك في ذلك العام 1812م.
وبعد ذلك نجح الموارنة في استمالة أعداد كبيرة من السريان الكاثوليك إلى طائفتهم، فتناقص عدد هؤلاء في طرابلس. وعند ذلك انتهى الخلاف بين الطائفتين، وقام بطريرك السريان الكاثوليك، أغناطيوس بطرس السابع جروة (1820- 1851) بتحرير ترخيص للموارنة باستعمال كنيسة سيدة الحارة واستغلال أوقافها وأرزاقها[12]، وهي ما تزال بتصرّفهم إلى يومنا الحاضر.
منقول عن ذاكرة طرابلس وتراثها