سلمان الفارسي (المتوفي سنة 33 هـ) صحابي، ومولى للنبي محمد، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو أول الفرسإسلامًا؛ أصله من بلاد فارس، ترك أهله وبلده سعيًا وراء معرفة الدين الحق؛ فانتقل بين البلدان ليصحب الرجال الصالحين من القساوسة، إلى أن وصف له أحدهم ظهور نبي في بلاد العرب، ووصف له علامات ليتحقق منه. اتفق سلمان مع قوم من بني كلب لينقلوه إلى بلاد العرب، فغدروا به وباعوه إلى يهودي من وادي القرى، ثم اشتراه يهودي آخر من يثرب من بني قريظة، ورحل به إلى بلده.
وعند هجرة النبي محمد إلى يثرب، سمع به سلمان، فسارع ليتحقق من العلامات، فأيقن أنه النبي الذي يبحث عنه. فأسلم، وأعانه النبي محمد وأصحابه على مُكاتبة مالكه، حتى أُعتق. بعد عتقه، شهد سلمان مع النبي محمد غزوة الخندق، وهو الذي أشار على النبي محمد بحفر الخندق لحماية المدينة من قريش وحلفائها، ثم شهد معه باقي المشاهد. وبعد وفاة النبي محمد، شهد سلمان الفتح الإسلامي لفارس، وتولى إمارة المدائن في خلافة عمر بن الخطاب إلى أن توفي في خلافة عثمان بن عفان.
. روى عبد الله بن عباس عن سلمان قصة نشأته إلى وقت إسلامه حيث قال:[1]
«كنت رجلاً فارسيًا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها جي وكان أبي دهقانها، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل بي حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، فاجتهدت فيالمجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يوما، فقال لي: «يا بني، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها»، وأمرني ببعض ما يريد. فخرجت، ثم قال: «لا تحتبس علي، فإنك إن احتبست علي كنت أهم إلي من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري». فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم، وسمعت أصواتهم، دخلت إليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلواتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: «هذا - والله - خير من الدين الذي نحن عليه»، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: «أين أصل هذا الدين؟»، قالوا: «بالشام». ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: «أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟»، قلت: «يا أبة، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس». قال: «أي بني، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه». قلت: «كلا والله، إنه لخير من ديننا». قال: «فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته». فبعثت إلى النصارى، فقلت: «إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم». فقدم عليهم ركب من الشام، فأخبروني بهم، فقلت: «إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة، فأخبروني». ففعلوا، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها، قلت: «من أفضل أهل هذا الدين؟»، قالوا: «الأسقف في الكنيسة». فجئته، فقلت: «إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك». قال: «فادخل»، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا، اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع. ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: «إن هذا رجل سوء، يأمركم بالصدقة، ويرغبكم فيها، فإذا جئتم بها، كنزها لنفسه، ولم يعط المساكين»، وأريتهم موضع كنزه سبع قلال مملوءة، فلما رأوها قالوا: «والله لا ندفنه أبدًا». فصلبوه ثم رموه بالحجارة. ثم جاءوا برجل جعلوه مكانه، فما رأيت رجلاً أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، كلب،
مسجد رائع وجميل وعتيق